كلما مررت به متى ذهبت لأمشي هناك على هذا ال"كورنيش" لذي يجمع مواطني العالم أجمع رأيته يرى الدنيا بالمقلوب
كم تمنيت أن انتصب بجانبه على رأسي و أطلق قدماي لأعلى في مواجهه الشمس مثلما لم تفعل قبلا
بالحق تمنيت ان ارى الدنيا كما يراها هو بوضعه الشاذ هذا
الكل يلقي نظرات خاطفة مندهشة ثم يتابع خطواته غير مهتم
كنت ممن لا يهتموا
ولكنه اصبح صديق فيما بعد
صديق أكاد أقسم انه مصري.. ولا أدري لماذا أشعر بذلك
وهناك ابتسامة مرح مبهجة تخرج من اعماقي عندما اقسم لنفسي بانه مصري
هذا الذي يرفع بأرجله للسماء متجاهلا اندهاش خلق الله حوله حتى اعتادوه و أصبحوا يمرون بابتسامة يشوبها شيء من الألفة
أحبه هذا الصديق الذي اصبح صديقي دون أن يعلم
معتادة انا على السير مسافة ليست بقليلة حتى يصل بي الانهاك ذروته عندما أصل عند الكافيتريا التي تلتقي عندها المجموعات
تستطيع ان ترى هناك أسر و شباب من كافة أنحاء العالم
كراسي و حقائب و أواني للشاي و القهوة و أكواب
آباء و أمهات و أطفال و مراهقين و شباب من كل الجنسيات
سوريا و فلسطين و قطر و البحرين واليمن ومصر و السودان و تونس و الجزائر
ومواطنين من بعض الدول الأوربية و من أمريكا
وبالطبع الهنود و الباكستانيين و الفلبينيين و الفتناميين و النيباليين
فقراء و أغنياء .. متعلمون و غير متعلمين . ثقافات مختلفة و كل منهم له وطن و بيئة تختلف تماما عن الآخر ولكن سلوكياتهم جميعا تتشابه هنا
ولكنه تنوع مفزع وموحش جدا اذا كنت حديث العهد بالغربة
تنوع يبث داخلك شعور من اقترب من الجنون
يخلق بداخلك احساس ملح بالرغبة في الهروب من هذا المكان الذي يعج بهجة
ولكن مع اعتياد الغربة و التعايش مع كل تلك الاختلافات قد يفتح عينيك هذا الاختلاط لافكار عديدة و فلسفات أيضا
يؤلمني احساسي و انا هناك في ايام الجمعة لاني أكون هناك وحيدة ... فدائما اتخيل لو كانوا اصدقاءي هنا حولي
نجلس على كراسي مثل ما يجلس الآخرون.. ونمسك في ايدينا أكواب كتلك
ويلعب حولنا أبناء اصدقائي او أقاربي
نتجاذب الحكايات و نطلق الضحكات
وهو تصور مؤلم عندما تتواجد في مكان يعج بالهرج و التجمعات في حين انك انت وحدك تماما
ولكن لعلي اصبحت مدمنة لهذا الاحساس
لا أعلم ماذا يجذبني اليه
مع كتابي هذا الذي لم أفرغ منه بعد وقد استغرق مني أكثر من شهر في قراءته لدرجة انني اعتدت عليه ولا أعلم عندما أنهيه كيف ساتقبل عدم ملازمته لي.. فكرت ان اعيد قراءته عندما انهيه
هناك أفترش النجيلة في مكان يقابل هذا الصديق غريب الاطوار بحيث اراه بوضوح
و أجلس لأقرأ .. وتأخذني الرواية لمشاعر و عوالم بعيده جدا.. لدرجة انها تفصلني تماما عن كل ما يحدث حولي و كاني في غرفتي داخل اربع جدران
يساعني على هذا الانفصال الموسيقة التي تملأ أذني والمانعة عني أي أصوات تأتي من حولي
ثم أتذكره هذا الذي يفضل ان يرى الدنيا بالمقلوب
فارفع عيني اليه
و أجده هناك رأسه أسفل على سور الكورنيش و قدماه منطلقة و كأنها عمود معدني لا يهتز
ثم اعود لصفحاتي و اسافر معها لمدة نصف ساعة مثلا ثم اعود لتفقده فأراه كما هو
أهذه يوجا؟؟..لا أعلم
ولكن كم انا منبهرة بهذا الرجل الوحيد
وكم تبهرني الوحدة
فهي تجرك لأطوار غريبة
وتلقي الضوء على جمال الكون
بل و تفسح مجال للرضا ليتسرب للنفس
ربما هي أرض ممهدة لبعض الأكاذيب التي نلف بها بعضا من عيوبنا لنجملها و نقبلها و نصدقها بسهولة شديدة مع الوحده حيث لا توجد فيها اي احتكاكات تضع لك عيوبك امام عينك
حسنا ماذا في هذا الكون بلى عيوب
وللوحده عيوب
ولكن ميزاتها أكثر
ممتنة جدا لهذا الرجل
فقد أكسبني صديق في تلك الوحدة الموحشة في ايام الجمعة على الكورنيش
سعيدة لأجله و لا أعلم لماذا، فقد لا يكون سعيدا هو بوحدته مثلما لم أعد انا سعيدة بها
ربما تنتابه لحظات ألم عارمة في باقي اوقات يومه تؤدي به لجنون ما لا يراه أحد
ربما في أثناء وضعه هذا الذي يرسم الابتسام على وجوه المارة هناك دمعة تسيل على استحياء و في الخفاء فهو موجه ظهره للناس و يطلق نظره للبحر" اقصد الخليج"
ربما
ولكني سعيده لأجله
اعرف انه يعرف قيمة وحدته
وان هناك مساحة كبيرة من الرضا داخله
لا دليل عندي سوى اني اراه يشبهني
وفي الايام الأخيرة بدأ يثير عطفي عليه
فقد شعرت ان وحدته قد ضاقت به
وكانها طردته من عالمها وهو واقف على بابها يعتذر لها
اقبليني ارجوكي
وهي لازالت ترفضه عقابا له على حالة عدم رضا اجتاحته فجأة ورحلت
رأيته امس و آلمني حاله
أكيده انه يشعر بذلك
أكيدة بلا دليل سوى اني اراه يشبهني
وأكيدة انا أنه مصري
أكيدة من ذلك بلا أي دليل سوى اني اراه يشبهني

